الرئيسية / المقالات / ((عَطْشى على نهر عذب)) بقلم/ بسام الراجحي

((عَطْشى على نهر عذب)) بقلم/ بسام الراجحي

“قضية العصر” من أمام هذه القضية طرقت أبوابها حتى كَلَّ متني فأدركت أنَّ هناك آلامٌ شَتَّى، ولحظاتٌ لا تحصى، وهناك مواقفٌ كثيرة، وأشياءٌ عديدة، عندما تعود بنا الذاكرة للخلف لنتذكرَ أجملَ اللحظاتِ، حينما كان يا ما كان، وفي تلك الأثناء كانت الحياةُ بسيطةً، وكلَّ مانحتاجه نراه بين أيادينا في لحظاتٍ، وكنّا نشربُ الماءَ من ذاك النهر العذب مذاقه، الصافي لونه، الحلو طعمه، ذاك النهر الذي مَدَّ يداه في كل النواحي ليسقي كل كائنٍ حي على هذه الأرض.
كَبُرَ الناسُ، وازداد رواد وزائرو ذاك النهر حتى أصبح القاصي والداني يشربُ منه بل يكاد لا ينبض عرقٌ إلا كان هو سببًا في نبضه، وكيف لا يكون كذلك لأنه أصبح سيدَ الموقفِ ولا غنًى عنه، ولكن الكارثةَ العظمى والطامةَ الكبرى حينما جاء ذاك الذئب ووقفَ أمام النهرِ وأخذَ يبيعهم دلوَ الماءِ بسعرٍ غالي مبالغ فيه، فما كان من الناس إلا أن يدفعوا المالَ من أجلِ النجاةِ بأرواحِهم لأنَّ النهرَ هو المكان الوحيد الذي يستسقون منه..
مرت الأيام والسنون وكبر الناس وذاك الذئب لم يكبر بل أزداد قوة وشراسة فأخذ يطلب الناس مبالغًا أخرى فمثلًا، كان يطلب ضريبةً على الدلو الذي يستسقون به وغيرها من الطلبات والناس لا يستطيعون رده لأنهم هم المحتاجون إلى قطرة من الماء، فهنا استغل الذئب الموقف وزاد من سعر الماء، وبالرغم من توفر الماء في كل مكان، وبالرغم من ارتفاع عدد مستخدمو مياه النهر إلا أنه أخذ يرفع سعر الدلو الواحد شيئًا فشيئًا والناس لا يستطيعون رده لأنهم لا يريدون شيئًا سوى الحياة، ولم يلفت نظري سوى من لم يملك سعر الدلو لينجو بها أو ليشرب منه أولاده لتستمر الحياة، فقد رأيتهم عطشى عند النهر، وبالرغم من تدفق النهر ليصل إلى كل جانب إلا أنهم لم يستطيعوا الشرب ولن يستطيعوا ذلك مادام الذئب مهيمنًا على كل شيء، ولن يكن الأمر متوقفا عند هذا بل سيرفع الذئب سعر دلو الماء وسيشتري منه من لديه القدرة وهو كارهٌ لذلك وسيموت العطشان من شدة العطش أمام النهر الذي لايستطيع الشراب منه وبالرغم من تدفق مياءه العذب.
ياترى كيف السبيل لحل هذه القضية؟ الذئب لن يتنازل عن هيمنته، والناس لن يستطيعون العيش دون قطرات من ذلك النهر، والعطشان على فراش الموت ينتظر نزول سهامه وتصيبه ويأخذ نصبًا منها.

  [مرات المشاهدة (571)]

عن عبدالحميد الراشدي

شاهد أيضاً

‏الغربة النفسية

‏الغربة النفسية بقلم : أحمد بن صالح البكري متخصص في المجال النفسي سفرٌ في اللاسفر …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.