الرئيسية / المقالات / من القلب يا أولياء اﻷمور (4) !!!بقلم: خلف بن خلفان العمري

من القلب يا أولياء اﻷمور (4) !!!بقلم: خلف بن خلفان العمري

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته،،

نواصل الحديث بمشيئة الله عز وجل حول الوسائل المعينة للرقي بأبنائنا وبناتنا سلوكيا وعلمياً ومع الوسيلة الثالثة وهي:

الحوار المستمر مع اﻷبناء!!!

لا شك أن الحوار يعتبر من أقوى وسائل كسر الحواجز النفسية بين اﻵباء واﻷبناء وهو أيضاً من أقوى مضادات سوء الظن والوساوس الشيطانية المصاحبة، نظراً لما يتركه من أثر إيجابي بالغ في النفوس.

بالحوار نقوي ثقة أبنائنا بأنفسهم، ونصقل مهارتهم، ونوسع مداركهم، ومن خلال الحوار نستطيع غرس القيم والمفاهيم السليمة واقتلاع المفاهيم والمعتقدات الباطلة والقناعات السلبية.

والحوار هو مسلك رباني أمر الله عز وجل باتباعه وذكره في كتابة في مواضع كثيرة، منها أمر الله عز وجل لنبيه موسى وأخيه هارون عليهما السلام بمحاورة الطاغية فرعون والذي بلغ مبلغاً في الجبروت والطغيان، فقال تعالى في سورة طه:

﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾

فهنا أمر صريح من رب العزة جل جلاله لنبيه موسى وأخيه بمحاورة فرعون مع علمه عز وجل أنه لن يستجيب لدعوتهما، ولكنه توجيه للمؤمنين بأن يكون الحوار هو ديدنهم ومسلكهم، واﻷبناء هم أولى بالحوار اللين ﻷنهم فلذات اﻷكباد وصفحات بيضاء يجب أن تطبع عليها المفاهيم السليمة.

ويحكي الله سبحانه وتعالى لنا في سورة لقمان ذلكم الحوار اﻷبوي الراقي وهو حوار لقمان مع ابنه فيقول:

﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾

ما أجمله من حوار، إنه حوار اﻷبوة الحانية في أسمى معانيها وأجل مقاصدها، حوار راق نفتقده في تعاملنا اليومي مع أبنائنا وبناتنا، فقد طغت الغلظة والفضاضة والشدة والقسوة غير المبررة عندنا كمربين تجاه أبنائنا وجعلناها اﻷصل الذي يحكم العلاقة بيننا وبينهم، فغابت الرحمة واللين والرقة إلا فيما ندر، ضاربين بعرض الحائط بقصد أو بغير قصد بهدي القرآن الكريم والذي يبين لنا أن اللين والرحمة والشفقة هي اﻷصل اﻷصيل في تعاملنا، وأن الشدة هي حالة استثنائية لا تستخدم إلا في حالات الضرورة القصوى، يقول الله تعالى في سورة آل عمران:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين ﴾ َ

في هذه اﻵية يبين الله سبحانه وتعالى لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أشرف الخلق أن لو كان فضا غليظ القلب لانفض الصحابة – وهم خير القرون – من حوله، ولكن بسبب رفقه بهم وحسن معاملتهم وجميل محاورتهم، التفوا حوله كالتفاف الجند بالعلم والتفاف السوار بالمعصم، وكان صلى الله عليه وسلم أحب خلق الله إلى نفوسهم.

ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المبدء اﻷصيل في التعامل عندما قال في الحديث الصحيح :

(إن الله رفيق يحب الرفق ، وإن الله يعطي على الرفق مالا يعطي على العنف)

وقوله صلى الله عليه وسلم:

( ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، ولا نزع الرفق من شيء إلا شانه).

والمتتبع لهديه صلى الله عليه وسلم يجد أن تحاوره مع الصغار أعطاه جل اهتمامه وعنايته، وأذكر في هذا المقام المثالين التاليين:

المثال اﻷول:

عن سهل بن سعد – رضي الله عنه – قال: “أُتي النبي – صلى الله عليه وسلم – بقدح فشَرِب منه، وعن يمينه غلام أصغر القوم، والأشياخ عن يساره، فقال: ((يا غلام، أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟))، قال: ما كنتُ لأوثر بفضلي منك أحدًا يا رسول الله، فأعطاه إياه”؛ (البخاري في كتاب الشرب).

المثال الثاني:

حدثنا علي بن عبدالله، أخبرنا سفيان، قال الوليد بن كثير: أخبرني أنه سمع وهب بن كيسان: أنه سمع عمر بن أبي سلمى يقول: “كنت غلامًا في حجر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((يا غلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك))، فما زالت تلك طعمتي بعد”؛ (البخاري في كتاب الأطعمة).

ما أروعها من معاملة، وما أصدقها وأرقها من مشاعر، وما أعظمها من قيم، يضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدي كل المربين وهو يتعامل هذا التعامل الراقي مع صغار لم يتجاوز الواحد منهم السادسة من عمره، فهلا اقتدينا به في تعاملنا مع أبنائنا؟

إن المتتبع لوضع العلاقة بين اﻵباء واﻷبناء يجد أن الهوة سحيقة وأن التواصل شبه معدوم وأن الذي نراه في واقعنا ويعده كثير من اﻵباء تواصلا لا يتجاوز كونه أوامر ونواهي وتهديدا ووعيدا يلقى على مسامع اﻷبناء على مدار الساعة، فيعيش اﻷبناء في حالة رهاب وعدم استقرار في الجانب النفسي وهو ما قد يؤدي بدوره إلى اضطرابات نفسية تتفاوت بين الخفيفة والحادة والعياذ بالله.

ومن المفارقات العجيبة أن نرى شياطين اﻹنس أرق قلباً وألطف نفساً وأعذب منطقا على أبنائنا منا، ولذلك استمالوا قلوبهم وأثروا تأثيرا بالغا على أفكارهم وسلوكياتهم، فالله المستعان.

وصور الغلظة ضد اﻷبناء كثيرة فمنها على سبيل المثال ما يفعله الكثير من المربين عندما يخطئ الطفل الصغير فينهرونه أمام الحاضرين دون أدنى مراعاة لمشاعره وهو ما يدعوه إلى التهرب من المجالس في المرات القادمة.

وبعض المربين عندما يريد أن يغرس سلوكاً معيناً لدى الطفل الصغير، تراه يغلظ عليه القول ويشدد عليه في الحديث وينهره خاصة أمام اﻵخرين، وما درى هذا المربي المسكين أنه بفعله هذا يحطم – من حيث لا يدري – نفسية ذلكم الطفل.

وعند التحاور مع بعض اﻵباء أستشف أمرين اثنين من خلال ردودهم، أولها: أنه لا بد من إظهار العين الحمراء للأولاد، أي لا بد من غرس خوف اﻷبناء من أبائهم، وهذا خطأ بيِّن، فكثير من اﻵباء الذين استخدموا هذا اﻷسلوب باءت محاولاتهم في تقويم سلوك أبنائم بالفشل، بل إن مشاكل اﻷبناء تطورت إلى مرحلة يصعب التعامل معها.
وثانيها: أننا نلاحظ على بعض المربين اهتمامهم الزائد بإظهار أنفسهم أنهم قادرون وحدهم دون غيرهم على ضبط بعض السلوكيات المزعجة لدى اﻷطفال سواءً كانوا أبناءهم أو أبناء أحد من أقاربهم، فيلجؤون إلى استخدام الشدة المفرطة ضد اﻷطفال، والنتيجة هي نفسها.

ولا يفهم من كلامي هذا أنني أدعو إلى ترك الشدة مطلقاً مع اﻷطفال، فقد نحتاج إلى الشدة والحزم في بعض اﻷحيان ولكن ينبغي أن ننتبه إلى بعض اﻷمور إن اضطررنا إلى استخدام الشدة وهي: أن تكون هذه الشدة مبطنة بغلاف الرحمة والشفقة على هؤلاء اﻷطفال، وأن لا تتجاوز الحد المعقول، وأن تكون بنية إصلاح الخلل لا بنية التشفي، عندها سوف تؤتي الشدة ثمارها اليانعة بمشيئة الله تعالى.

أيها المربون، رفقا بأبنائكم، تحاوروا معهم، استمعوا إلى معاناتهم، أعطوهم اﻷمان، افتحوا لهم قلوبكم، عالجوا قضاياهم بالحكمة، وجِّهوهم بالموعظة الحسنة و ابتعدوا عن الفضاضة والشدة والقسوة فإنها أساليب تغضب الرحمن وتفرح الشيطان.

سدد الله على طريق الخير خطاكم، وأقر أعينكم بصلاح أبنائكم وبناتكم، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

وإلى الملتقى مع الجزء الخامس من هذه الرسائل بمشيئة الله تعالى.

  [مرات المشاهدة (16)]

عن مروة التوبي

شاهد أيضاً

الحنين إلى الوطن بقلم: شيماء الجرادي

الحنين إلى الوطن بقلم: شيماء الجرادي تضيق بي الدنيا فأرحل بعيداً عن دنيا البشر حاملة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.